محمد متولي الشعراوي

2939

تفسير الشعراوى

وضرب لنا - سبحانه - المثل مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ففي أول مجىء الدعوة الإسلامية ، واجهت معسكرا ملحدا يعبد النار ، ولا يؤمن بالإله وهو معسكر فارس ؛ ومعسكرا يؤمن بالإله وهو معسكر الروم ؛ كانت هناك قوتان في العالم : قوة شرقية وقوة غربية . وعندما يأتي رسول ليأخذ الناس إلى طريق اللّه ، فلا بد أن يكون قلبه وقلوب المؤمنين معه مع الذين آمنوا بإله وبمنهج ورسالة ، ولا يكون قلبه مع الملاحدة الذين يعبدون غير اللّه . ولنر العظمة الإيمانية في الرسول عليه الصلاة والسّلام . نجد الذين يؤمنون باللّه ويكفرون به كرسول أولى عنده ممن يكفرون باللّه . ولذلك عندما قامت الحرب بين فارس والروم كانت الغلبة أولا لفارس . وكانت عواطف الرسول والذين آمنوا معه مع الروم ؛ لأنهم أقرب إلى معسكر الإيمان الوليد وإن كانوا يكفرون بمحمد فقد كانوا يؤمنون باللّه ، وأن هناك منهجا وهناك يوم بعث ، ولذلك يضربها الحق مثلا في القرآن ليعطينا عدة لقطات ، وأولى هذه اللقطات هي أن المسلمين في جانب من عنده رائحة الإيمان ، فيقول سبحانه : ألم ( 1 ) غُلِبَتِ الرُّومُ ( 2 ) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ( 3 ) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ( 4 ) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 5 ) ( سورة الروم ) وتبدأ هذه الآيات بخبر عن هزيمة الروم ، ثم نبوءة من الحق بأنهم سيغلبون في بضع سنين . ويوم نصرهم سيفرح المؤمنون بنصر اللّه . وتنظر القوة الإسلامية التي جاءت لتؤسس دينا واسعا جامعا مانعا إلى معركة بين دولتين عظميين كلتيهما على أقصى ما يكون من الرقى الحضارى ، هذه القوة الإسلامية تتعاطف مع الروم وتحزن - القوة الإسلامية - لأن الفرس قد غلبت . فيأتي الحق بالخبر اليقين وهو ستغلب الروم . وباللّه من الذي يستطيع أن يحكم في نهاية معركة بين قوتين عظميين ؟ إنه حكم لا يستغرق يوما ، حتى ولو كان قائله عرف أن هناك مددا قادما للقوة التي ستنتصر ،